القرطبي

271

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

المستور طبع الله على قلوبهم حتى لا يفقهوه ولا يدركوا ما فيه من الحكمة ، قاله قتادة . وقال الحسن : أي أنهم لاعراضهم عن قراءتك وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجاب في عدم رؤيته لك حتى كأن على قلوبهم أغطية . وقيل : نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن ، وهم أبو جهل وأبو سفيان والنضر بن الحارث وأم جميل امرأة أبى لهب وحويطب ، فحجب الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن أبصارهم عند قراءة القرآن ، وكانوا يمرون به ولا يرونه ، قاله الزجاج وغيره . وهو معنى القول الأول بعينه ، وهو الأظهر في الآية ، والله أعلم . وقوله : ( مستورا ) فيه قولان : أحدهما - أن الحجاب مستور عنكم لا ترونه . والثاني : أن الحجاب ساتر عنكم ما وراءه ، ويكون مستورا به بمعنى ساتر . قوله تعالى : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفئ اذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبرهم نفورا ( 46 ) قوله تعالى : ( وجعلنا على قلوبهم أكنة ) " أكنة " جمع كنان ، وهي ما يستر الشئ . وقد تقدم في " الانعام ( 1 ) " ( أن يفقهوه ) أي لئلا يفقهوه ، أو كراهية أن يفقهوه ، أي أن يفهموا ما فيه من الأوامر والنواهي والحكم والمعاني . وهذا رد ( 2 ) على القدرية . ( وفى آذانهم وقرا ) أي صمما وثقلا . وفى الكلام إضمار ، أي أن يسمعوه . ( وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ) أي قلت : لا إله إلا الله وأنت تتلو القرآن . وقال أبو الجوزاء أوس بن عبد الله : ليس شئ أطرد للشياطين من القلب من قول لا إله إلا الله ، ثم تلا " وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا " . وقال علي بن الحسين : هو قوله بسم الله الرحمن الرحيم . وقد تقدم هذا في البسملة ( 3 ) . ( ولوا على أدبارهم نفورا ) قيل : يعنى بذلك المشركين . وقيل : الشياطين . و " نفورا " جمع نافر ، مثل شهود جمع شاهد ، وقعود جمع قاعد ، فهو منصوب على الحال . ويجوز أن يكون مصدرا على غير الصدر ، إذ كان قوله " ولوا " بمعنى نقروا ،

--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 404 . ( 2 ) في ج : يرد . ( 3 ) راجع ج 1 ص 9 فما بعد .